صديق الحسيني القنوجي البخاري
402
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقال عطاء بن أبي رباح : صلاته تبارك وتعالى : سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي . والمقصود من هذه الآية أن اللّه سبحانه أخبر عباده بمنزلة نبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند ملائكته ، وأن الملائكة تصلي عليه ، وأمر عباده بأن يقتدوا بذلك ويصلوا عليه ، وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم هل هي واجبة ؟ أو مستحبة ؟ بعد اتفاقهم على أن الصلاة عليه فرض في العمر مرة . وقد حكى هذا الإجماع القرطبي في تفسيره فقال قوم من أهل العلم : إنها واجبة عند ذكره ، وقال قوم : تجب في كل مجلس مرة ، وقد وردت أحاديث مصرحة بذم من سمع ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم فلم يصل عليه . واختلف العلماء في الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم في تشهد الصلاة المفروضة هل هي واجبة أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى أنها فيها سنة مؤكدة غير واجبة . قال ابن المنذر : يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة في مذهب مالك وأهل المدينة ، وسفيان الثوري ، وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم ، وهو قول جمهور أهل العلم ، قال : وشذ الشافعي فأوجب على تاركها الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان ، وهذا القول عن الشافعي لم يروه عنه إلا حرملة بن يحيى ، ولا يوجد عن الشافعي إلا من روايته ، قال الطحاوي : لم يقل به أحد من أهل العلم غير الشافعي ، وقال الخطابي ؛ وهو من الشافعية : إنها ليست بواجبة في الصلاة ، قال : وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي ، ولا أعلم له في ذلك قدوة ، انتهى . وقد قال بقول الشافعي جماعة من أهل العلم منهم الشعبي والباقر ومقاتل بن حيان وإليه ذهب أحمد بن حنبل أخيرا ، كما حكاه أبو زرعة الدمشقي ، وبه قال ابن راهويه وابن المواز من المالكية وقد جمع الشوكاني رحمه اللّه في هذه المسألة رسالة مستقلة ذكر فيها ما احتج به الموجبون لها وما أجاب به الجمهور ، وفي شرحه على المنتقى ، ورسالتي : هداية السائل إلى أدلة المسائل ، ما يشفي ويكفي وأشف ما يستدل به على الوجوب الحديث الثابت بلفظ : إن اللّه أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك في صلاتنا ؟ قال قولوا : الحديث ، فإن هذا الأمر يصلح للاستدلال به على الوجوب ، وأما على بطلان الصلاة بالترك ووجوب الإعادة لها فلا ، لأن الواجبات لا يستلزم عدمها العدم كما يستلزم ذلك الشروط والأركان . واعلم أنه قد ورد في فضل الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أحاديث كثيرة لو جمعت لجاءت في مصنف مستقل ، ولو لم يكن منها إلا الأحاديث الثابتة في الصحيح من قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من صلى عليّ صلاة صلّى اللّه عليه عشرا » « 1 » فناهيك بهذه الفضيلة
--> ( 1 ) أخرجه النسائي في الاستئذان باب 37 ، والسهو باب 55 ، وأحمد في المسند 2 / 168 ، 372 ، 375 ، 485 .